مجمع البحوث الاسلامية
472
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
التّحريف عن ما يراد بها ، ولم تستقرّ في مواضعها ، فيكون التّحريف بعد استقرارها ، بل بادروا إلى تحريفها بأوّل وهلة . وحيث وصفوا ببعض لين وترديد وتحكيم للرّسول في بعض الأمر جاء مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ألا ترى إلى قوله : يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا المائدة : 41 ، وقوله بعد : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فكأنّهم لم يبادروا بالتّحريف بل عرض لهم التّحريف بعد استقرار ( الكلم ) في مواضعها . وقد يقال : إنّهما سيّان لكنّه حذف هنا وفي أوّل المائدة مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ لأنّ قوله : عَنْ مَواضِعِهِ يدلّ على استقرار مواضع له ، وحذف في ثاني المائدة عَنْ مَواضِعِهِ لأنّ التّحريف مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يدلّ على أنّه تحريف عَنْ مَواضِعِهِ . فالأصل يحرّفون الكلم من بعد مواضعه ، فحذف هنا البعديّة . وهناك حذف عنها ، كلّ ذلك توسّع في العبارة ، وكانت البداءة هنا بقوله : ( عن مواضعه ) لأنّه أخصر ، وفيه تنصيص باللّفظ على ( عن ) وعلى « المواضع » وإشارة إلى البعديّة . ( 3 : 262 ) ابن كثير : أي يتأوّلونه على غير تأويله ، ويفسّرونه بغير مراد اللّه عزّ وجلّ ، قصدا منهم وافتراء . ( 2 : 306 ) نحوه الشّوكانيّ ( 1 : 606 ) ، والقاسميّ ( 5 : 1276 ) . الشّربينيّ : أي ومن الّذين هادوا قوم يحرّفون ، أي يغيّرون الكلم الّذي أنزل في التّوراة ، من نعت محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم عَنْ مَواضِعِهِ الّتي وضع عليها ، بإزالته عنها وإثبات غيره فيها . وفي المائدة مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ والمعنيان متقاربان . ( 1 : 307 ) أبو السّعود : أي من الّذين هادوا قوم أو فريق يحرّفون ، إلخ . وفيه أنّه يقتضي كون الفريق السّابق بمعزل من التّحريف الّذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة ، فالّذي يليق بشأن التّنزيل الجليل أنّه بيان للموصول الأوّل المتناول بحسب المفهوم لأهل الكتابين قد وسّط بينهما ما وسّط ، لمزيد الاعتناء ببيان محلّ التّشنيع والتّعجيب ، والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم ، وتحذيرهم عن مخالطتهم ، والاهتمام بحملهم على الثّقة باللّه عزّ وجلّ ، والاكتفاء بولايته ونصرته . وأنّ قوله تعالى : يُحَرِّفُونَ وما عطف عليه بيان لاشترائهم المذكور ، وتفصيل لفنون ضلالتهم ، وقد روعيت في النّظم الكريم طريقة التّفسير بعد الإبهام ، والتّفصيل إثر الإجمال روما لزيادة تقرير يقتضيه الحال . [ إلى أن قال : ] وقرئ ( يحرّفون الكلام ) والمراد به هاهنا : إمّا ما في التّوراة خاصّة ، وإمّا ما هو أعمّ منه وممّا سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصّادرة عنهم ، في أثناء المحاورة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . ( 2 : 143 ) الطّريحيّ : أي يحرّفون كلام اللّه من بعد مواضعه ، أي من بعد أن فرض فروضه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ، يعني بذلك ما غيّروا من حكم اللّه تعالى في الزّنى ، ونقلوه من الرّجم إلى أربعين جلدة . كذا نقل عن جماعة من المفسّرين .